الراغب الأصفهاني
89
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وقال بعضهم : موطنان لا آنف من الحصر فيهما ، إذا شكوت إلى محبوبي عشقي ، وإذا سألت حاجة لنفسي . المحسن في كلامه ابتداء والمسئ انتهاء تكلّم ابن ثوابة ثم غلط في آخره فقال أبو العيناء : ترفعت حتى خفتك ثم تخفّضت حتى عفتك . وتكلم رجل فأحسن ثم أعاد فأساء ، فقال له أعرابي أنك تسترجع محاسنك . وصف كلام غير مفهوم قال اللّه تعالى : - حكاية عن فرعون - أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ « 1 » . قال الشاعر : قلت لمّا بدا يجمجم في القو * ل ويهذي كأنّه مجنون « 2 » أنت حقا شبيه ما ذكر اللّه * مهين ولا يكاد يبين وقال محمد بن صالح : يهوي إليّ بأقوال يلفّقها * فلا أعي منه شيئا وهو يسمعني « 3 » يلقى صداي صفير الطير من فمه * مخاطبا وهو إنسان يكلّمني المستقبح إنشاده قال عبد اللّه بن معاوية : يزين الشعر أفواه إذا نطقت * بالشعر يوما وقد يزرى بأفواه « 4 » وقال أبو خليفة : كأنّ الشعر من فيه إذا تمّت * قوافيه كنيف قد خرى فيه ذمّ من يطول سكوته عيّا قال الشاعر : يا صنما في الصّمت لا في الحسن ووصف رجل آخر فقال : يصلح لصدور المجالس ، ونظم المحافل ما لم يكن كلام . كلمات لأهل العيّ قال الحجّاج لأبي الجهمة النخّاس : أتعيب الدواب المعيية من جند السلطان ؟ فقال :
--> ( 1 ) القرآن الكريم : الزخرف / 52 . ( 2 ) يجمجم الكلام : لم يبيّنه - يهدي : من الهذيان وهو الكلام غير المعقول بسبب فرص أو جنون . ( 3 ) لفّق الأقوال : موّهها وزخرفها بالباطل . ( 4 ) يزرى : يقال أورى به عابه ووضع من حقه واحتقره واستحق به .